الذهبي

130

سير أعلام النبلاء

العامة ، ثم بعث عسكرا ، فهزمهم سليمان المستعين ، ثم سار حتى شارف قرطبة ، فبرز لحربه عسكر المهدي ، فناجزهم سليمان ، فكان من غرق منهم في الوادي أكثر ممن قتل ، وكانت وقعة هائلة هلك فيها خلق من الأخيار والأئمة والمؤذنين ، فلما أصبح المهدي بالله ، أخرج للناس الخليفة المؤيد بالله هشام بن الحكم ، الذي كان أظهر لهم موته ، فأجلسه للناس ، وأقبل قاضي الجماعة يقول : هذا أمير المؤمنين ، وإنما محمد بن هشام بن عبد الجبار نائبه . فقال له البربر : يا ابن ذكوان : بالأمس تصلي عليه ، واليوم تحييه ؟ ! ثم خرج أهل قرطبة إلى المستعين ، سليمان فأحسن ملقاهم واختفى محمد المهدي واستوثق أمر المستعين ودخل قصر الامارة ، ووارى الناس قتلاهم ، فكانوا نحوا من اثني عشر ألفا ، ثم تسحب المهدي إلى طليطلة ، فقاموا معه ، وكتب إلى الفرنج ، ووعدهم بالأموال ، فاجتمع إليه خلق عظيم ، وهو أول مال انتقل من بيت المال بالأندلس إلى الفرنج ، وكانت الثغور كلها باقية على طاعة المهدي ، فقصد قرطبة في جحفل عظيم ، فالتقى الجمعان على عقبة البقر على بريد بن قرطبة ، فاقتتلوا أشد قتال ، فانهزم سليمان المستمعين ، واستولى المهدي على قرطبة ثانيا ، ثم خرج بعد أيام إلى قتال جماهير البربر ، فالتقاهم بوادي آره ، فهزموه أقبح هزيمة ، وقتل من جنده الفرنج ثلاثة آلاف ، وغرق خلق ، فجاء إلى قرطبة ، ثم وثب عليه العبيد ، فضربت عنقه ، وقطعت أربعته ، وكفى الله شره في ثامن ذي الحجة عام أربع مئة ، وعاش أربعا وثلاثين سنة ( 1 ) . قال الحميدي ( 2 ) : أعيد المؤيد بالله إلى الخلافة في آخر سنة أربع

--> ( 1 ) " جذوة المقتبس " 18 ، 19 . ( 2 ) " جذوة المقتبس " 17 .